محمد بيومي مهران

199

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وهارون ، قال ابن إسحاق : جعلت تتبع تلك الحبال والعصي واحدة واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير ، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت ، ووقع السحرة سجدا ، وقالوا : لو كان هذا ساحرا ما غلبنا ، وفي هذا إشارة إلى أهمية العلم وتكريمه ، فقد كان هؤلاء السحرة أعرف الناس بما جاء به موسى عليه السلام ، وأنه من عند اللّه ، وليس من فنون السحر الذي تجروا فيه ، ومن ثم فقد خروا ساجدين وقالوا : « آمنا برب العالمين رب موسى وهارون » ، لأن العالم في فنه إنما هو أكثر الناس استعدادا للتسليم بالحقيقة حين تنكشف له ، لأنه أقرب من غيره إدراكا لهذه الحقيقة ، ومن ثم فما أن تأكدوا من معجزة موسى حتى ملك الحق قلوبهم ، وملأ الإيمان مشاعرهم ، فاستخفوا بتهديد فرعون لهم أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ويصلبهم في جذوع النخل « وقالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ، إنا نطمع أن يغفر لنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين » . ويقول أبو حيان : قال المتكلمون إن في هذا دلالة على فضل العلم ، لأنهم كانوا كاملين في علم السحر ، ومن ثم فما أن علموا أن ما جاء به موسى خارج عن جنس السحر ، حتى آمنوا به ، ولولا العلم لتوهموا أنه سحر ، وأن موسى أسحر منهم ، ولكن نظرا لأنهم كانوا ، كما يقول الفخر الرازي ، في الطبقة العليا من علم السحر ، فقد علموا أن ذلك خارجا عن حد السحر ، وما كان ذلك إلا ببركة تحقيقهم في علم السحر ، ومن ثم لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين ، كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا ، قال أبو السعود : روى أن رئيسهم قال : كنا نغلب الناس ، وكانت الآلات تبقي علينا ، فلو كان هذا سحرا ، فأين ما ألقيناه من الآلات ، فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القادر العالم ، وأن ظهور ذلك على يد موسى دليل على صحة رسالته ، ومن ثم فقد خروا سجروا ، آمنا برب موسى وهارون « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط 4 / 364 - 365 ، تفسير الفخر الرازي 24 / 134 ، تفسير أبي السعود 6 / -